ابن كثير
61
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 15 إلى 16 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ( 15 ) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 16 ) يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض : عربهم وعجمهم ، أميهم وكتابيهم ، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل ، فقال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ أي يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه ، وافتروا على اللّه فيه ، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه . وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي اللّه عنه ، قال : من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ قال : فكان الرجم مما أخفوه « 1 » ، ثم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه . ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ أي طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي ينجيهم من المهالك ، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور ، ويحصل لهم أحب الأمور ، وينفي عنهم الضلالة ، ويرشدهم إلى أقوم حالة . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 17 إلى 18 ] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) يقول تعالى مخبرا وحاكيا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم ، وهو عبد من عباد اللّه ، وخلق من خلقه أنه هو اللّه ، تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا ، ثم قال مخبرا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي لو أراد ذلك ، فمن ذا الذي كان يمنعه منه أو من ذا
--> ( 1 ) الدر المنثور 2 / 475 .